الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
77
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الراغب في مفرداته يقول : " الخشية خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء بها " . قلنا تكرارا بأن الخوف من الله بمعنى الخوف من المسؤولية التي يواجهها الإنسان ، الخوف من أن يقصر في أداء رسالته ووظيفته ، ناهيك عن أن إدراك جسامة تلك المسؤولية يؤدي أيضا إلى الخشية ، لأن الله المطلق قد عهد بها إلى الإنسان المحدود الضعيف ، ( تأمل بدقة ) ! ! كذلك يستفاد من هذه الجملة ضمنا بأن العلماء الحقيقيين هم أولئك الذين يستشعرون المسؤولية الثقيلة حيال وظائفهم ، وبتعبير آخر : أهل عمل لا كلام ، إذ أن العلم بدون عمل دليل على عدم الخشية ، ومن لا يستشعر الخشية لا تشمله الآية أعلاه . هذه الحقيقة وردت في حديث عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) حيث يقول : " وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه ، وحثه الخوف على العمل بطاعة الله ، وإن أرباب العلم وأتباعهم ( هم ) الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه ، وقد قال الله : إنما يخشى الله من عباده العلماء " ( 1 ) . ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير هذه الآية " يعني بالعلماء من صدق قوله فعله ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم " ( 2 ) . وفي حديث آخر جاء " أعلمكم بالله أخوفكم لله " ( 3 ) . ملخص القول أن العلماء - بالمنطق القرآني - ليسوا أولئك الذين تحولت أدمغتهم إلى صناديق للآراء والأفكار المختلفة من هنا وهناك ومليئة بالقوانين والمعادلات العلمية للعالم وتلهج بها ألسنتهم ، أو الذين سكنوا المدارس
--> 1 - روضة الكافي ، طبقا لنقل نور الثقلين ، مجلد 4 ، صفحة 359 . 2 - مجمع البيان ، تفسير الآيات مورد البحث . 3 -